خيال الشرفا
03-21-2009, 01:21 AM
الثـقـافة
مصطلح يستخدمه علماء الاجتماع للإشارة إلى طريقة الحياة الكُلية لشعب من الشعوب. وقد تُشير كلمة الثقافة في المحادثات اليومية إلى ضروب النشاط في مختلف الميادين مثل الفن والأدب والموسيقى. ولكن بالنسبة إلى علماء الاجتماع، فإن ثقافة شعب من الشعوب تشتمل على كل ما صنعه وابتدعه من الأفكار والأشياء وطرائق العمل فيما يصنعه ويوجده.
فالثقافة تشتمل على الفنون والمعتقدات والأعراف والاختراعات واللغة والتقنية والتقاليد. ويُماثل مصطلح الثقافة الحضارة، غير أن المصطلح الأخير يُشير في الأغلب إلى طرائق الحياة العملية الأكثر تقدماً. أما الثقافة فهي أي أسلوب للحياة، بسيطاً كان أم معقداً.
وتتكون الثقافة من الطرق التي يتعلمها ويكتسبها الإنسان للعمل، والشعور، والتفكير، أكثر من كونها وراثية أي محددة بالمقومات البيولوجية. وهناك بعض الحيوانات البسيطة التي تتصرف على أساس المعلومات التي تحملها في مورِّثاتها، أي أجزاء الخلية التي تشكل الصفات الوراثية. وهذه المعلومات البيولوجية المورثة قد تشتمل حتى على الطرق التي يحصل بها الحيوان على الطعام والمأوى. ولكن الإنسان هو الذي بمقدوره أن يجرب وأن يتعلم وأن ينشئ أساليبه لصنع هذه الأشياء. وهذه عملية مستمرة لا تتوقف أبداً.
والقول بأن الثقافة مكتسبة لا يعني بالطبع عدم الارتباط بينها وبين العناصر البيولوجية للإنسان. إنها بالعكس، يمكن النظر إليها كمجموعة من التمديدات والإضافات البسيطة لأجزاء الجسم المختلفة. وقد قارنها عالم النفس النمساوي سيجموند فرويد بتلك الأجهزة والأدوات مثل الأطراف الصناعية، ونظارات العيون، والأسنان الصناعية. وذلك على اعتبار أن الثقافة، مثل هذه الأشياء، تُمكن الناس من فعل الأشياء التي قد لا تساعدهم عضلاتهم وحواسهم وحدها على القيام بها وفعلها. مثال ذلك، أن الإنسان لا يحتاج إلى المخالب ما دامت لديه السهام. كما أنه لا يحتاج إلى الجري بسرعة، ما دام قد روَّض الحصان أو استعمل السيارة. وبدون الثقافة لم يكن بمقدور رواد الفضاء، أن يصلوا إلى القمر، ولا أن يعيشوا هناك. ذلك أن الجسم الإنساني في حاجة إلى الأكسجين، وإلى درجة معينة من الحرارة كي يحافظ على حياته. وعلى أية حال، فقد مكنت هذه الوسائل والأدوات الثقافية الإنسان من التغلب على بعض أوجه القصور، فظل على قيد الحياة في البيئات الخشنة القاسية.
كانت الثقافة المبكرة وسيلة لتحسين المهارة للحصول على الطعام، والبحث عن المأوى، والعناية بالنسل. وحَظي أسلاف الإنسان بالأفضلية في الصراع من أجل البقاء، لأنهم نجحوا في تطوير الأدوات والآلات وجوانب الثقافة الأخرى. فأصبحوا ـ من ثم ـ أكثر ملاءمة للاستمرار والتكاثر من تلك المخلوقات التي تفتقر إلى هذه الميزات. ونتيجة لهذا نمت القدرة على ابتكار الثقافة من جيل إلى جيل.
خصائص الثقافة
عرّف عالم الأنثروبولوجيا (علم الإنسان) البريطاني السير إدوارد بيرنت تايلور مصطلح الثقافة كما يستخدمه العلماء في الوقت الحاضر. فقد عَرَّفَ تايلور الثقافة في كتابه الثقافة البِدائية بأنها ذلك الكُل المعقد الذي يشتمل على المعرفة، والعقيدة، والفن، والأخلاق، والقانون، والتقاليد، وما إلى ذلك من القدرات والعادات التي يكتسبها الإنسان من حيث هو عضو في المجتمع. ويشتمل هذا التعريف الذي ساقه تايلور على ثلاث خصائص من أكثر خصائص الثقافة أهمية وهي:
1- أن الثقافة اكتساب إنساني يتم من خلال عملية تسمى التنشئة الثقافية.
2- أن الشخص يكتسب الثقافة باعتباره عضواً في المجتمع. فالحياة الاجتماعية تُصبح مستحيلة دون وجود التفاهم والممارسات المتبادلة التي يشارك فيها الناس جميعاً.
3- أن الثقافة كلٌّ معقد تتمثل وحداته فيما يُسمى السمات الثقافية. وهي قد تشتمل على أماكن دفن الموتى المتعارف عليها، أو بعض الأدوات والآلات، كالمحراث مثلاً، أو إيماءة، كالمصافحة بالأيدي. وتسمى المجموعة المتقاربة من السمات الثقافية النمط الثقافي. مثال ذلك التقاليد المرتبطة بالزواج والمراحل السابقة له والتودد، وتشكل هذه المجموعة نمطاً ثقافياً محدداً.
ولمعظم الجماعات الكبيرة سماتها الثقافية الخاصة التي تلائم ظروفها وحاجاتها وتُؤَمِّن بقاءها واستمرارها. ومثل هذه المجموعة من السمات الثقافية يمكن تسميتها ثقافة. وتمتلك الأمم ومعظم القبائل، وحتى بعض القرى، الثقافة بهذا المعنى.
وعلى كل حال، فإن لكل عائلة تقليدها الثقافي الخاص بها. وهو تقليد يشتمل على كثير من السمات التي تشترك فيها العائلة مع الآخرين ممن يعيشون في نفس المنطقة، وينتمون إلى الطبقة الاجتماعية ذاتها. علاوة على ذلك، تمتلك العائلة السمات الثقافية الخاصة بها. وهو الحال نفسه بالنسبة إلى شركات الأعمال، والقرى وما إلى ذلك من الجماعات الاجتماعية. فلكلٍّ منها تقاليدها الثقافية الخاصة بها. ويستخدم علماء الاجتماع أحياناً مصطلح الثقافة الفرعية للإشارة إلى مجموعة السمات الثقافية التي توجد في جماعة واحدة فحسب، الأمر الذي يعني أن للكثير من الجماعات المهنية، مثل جماعة الأطباء، وجماعة سائقي الشاحنات والجماعات العرقية ثقافتها الفرعية الخاصة بها، بالإضافة إلى مشاركتها أيضاً في ثقافة جماعة الأغلبية.
ومن الصعوبة أن توجد الثقافة في مكانين في آن واحد. فأولاً، لابد أن توجد في البيئة، حيث تظهر على شكل مصنوعات فنية (أي الأشياء التي صنعها الإنسان)، أو على شكل سلوك. وقد تدوم بعض مظاهر الثقافة التي توجد في البيئة طويلاً، وذلك مثل الإيماءة أو طريقة قص القصص أو القصة المكتوبة أو الفأس الحجرية. ثانياً، أن الثقافة تكون في داخل العقول والأذهان كمجموعة من الأفكار حتى يتيسَّر فهم وتقويم الأشياء وسلوك الأفراد. أما الشيء المصنوع الذي لا يفهمه أحد فيُعتبر ثقافة ناقصة وغير كاملة. كما لا تُعتبر الفكرة التي لا يدركها الآخرون ثقافة. فالأشياء التي توجد في البيئة تصل إلى داخل عقول الناس من خلال التعلم والتنشئة الثقافية. على حين تنتقل الأشياء من داخل عقول الناس إلى العالم الخارجي بوساطة السلوك والمناقشة والاختراع.
التعددية الثقافية
تختلف المجتمعات عن بعضها البعض في مدى انفتاحها على غيرها ومدى انغلاقها عن ذلك الغير. ففي هضبة التيبت وبعض الجزر الباسفيكية وإفريقيا، مثلاً، توجد مجتمعات منغلقة على نفسها، وتكون النتيجة الطبيعية لهذا هي بقاء تلك المجتمعات بثقافة واحدة لكل منها. وعلى العكس من ذلك فإنّ المجتمعات الأمريكية والأوروبية التي تنفتح على غيرها، تعتبر بالتالي متعددة الثقافة.
يجد الكثير من الأفراد صعوبة في تقبل الثقافات الأخرى، ويميلون بالتالي للبحث عمن يشبهونهم من الأفراد في العادات والأفكار، أي ضمن ثقافة متجانسة. ويسمى الضيق الذي يشعر به هؤلاء حين يمتزجون مع من لايشبهونهم وما ينتج عن ذلك من رفض للاختلاف صدمة ثقافية. وقد تزول هذه الصدمة إذا ما عايش الفرد الثقافة المغايرة فترة تكفي لفهم تلك الثقافة.
التعايش المشار إليه يحدث على مستوى الأفراد أو الجماعات الصغيرة نسبيًا التي تنتقل للعيش ضمن مجتمعات أكبر ذات ثقافة مختلفة ومهيمنة. ويؤدي ذلك التعايش أحيانًا لفقدان أولئك الأفراد أو الجماعات سماتهم الثقافية المميزة واندماجهم في الثقافة المهيمنة في عملية يطلق عليها الامتصاص الثقافي. وما حدث للكثير من الهنود الحمر نتيجة الهجرة الأوروبية إلى أمريكا الشمالية مثال لذلك الامتصاص، كما أن ما حدث للكثير من الجماعات العرقية التي دخلت الإسلام طوال التاريخ الإسلامي مثال آخر. وكذلك هو الحال مع بعض المسلمين الذين بقوا في الأندلس بعد انتهاء الحكم العربي الإسلامي هناك. فقد ذابت تلك المجتمعات في الثقافة الجديدة سواء كان ذلك طوعًا أو كرهًا.
غير أن التعايش الثقافي قد لايؤدي إلى الامتصاص وإنما يبقى تعايشًا يحفظ فيه الكثير من السمات الثقافية للجماعات الصغيرة والكبيرة على حد سواء. يطلق على ذلك الوضع تعددية ثقافية، وتعتبر الولايات المتحدة الأمريكية مثالاً واضحًا لتلك التعددية، فعلى المستوى اللغوي لم يؤد انتشار الإنجليزية إلى القضاء على اللغات العرقية للأقليات، كالأسبانية والصينية والعربية. كما أن الأقليات ظلت تحتفظ بالكثير من خصائصها الثقافية كالعقيدة الدينية وأنواع الطعام والاحتفالات الوطنية. فأماكن التعبد كالمساجد والكنائس والمعابد الوثنية تتجاور كما يتجاور طعام الهامبورجر الأمريكي مع المأكولات الصينية والمكسيكية والهندية والعربية. وما يحدث في الولايات المتحدة يحدث في أماكن أخرى كثيرة كبريطانيا وألمانيا وفرنسا والوطن العربي والهند، مع اختلاف واضح بين هذه الأماكن في درجة التعدد والتسامح مع الاختلاف.
غير أن التعددية الثقافية لاتعني تساويًا بين الثقافات المتعايشة ضمن تلك التعددية. وفي الولايات المتحدة الأمريكية حيث جرت وتجري واحدة من أبرز التجارب التاريخية في التعددية لم يؤد ذلك إلى تساوي الثقافات المتعايشة في التأثير، فالحضارة الغربية الأنجلوسكسونية التي جلبها المستوطنون الأمريكيون الأوائل معهم في القرن السادس عشر الميلادي، سواء تمثلت في الإنجليزية كلغة أو في النصرانية كدين أو في الديمقراطية العلمانية كنموذج سياسي وثقافي، ماتزال هي المهيمنة. وتنسحب تلك التجربة الأمريكية على ما يحدث حاليًا على مستوى العالم، حيث تنتشر المؤثرات الثقافية الغربية، الأمريكية بالدرجة الأولى في مختلف الأماكن في عملية تعرف بـ: العولمة (http://vb.arabsgate.com/showthread.php?t=471078).
كيف تتماثل الثقافات
لكل الثقافات ملامح تنتج من الحاجات الأساسية التي يشارك فيها الناس جميعاً. فلكل ثقافة طرقها للحصول على الطعام والمأوى، ولها وسائلها المنظمة لتوزيع الطعام والسلع الأخرى. كذلك فإن لكل ثقافة نظامها لتقسيم القوة والسلطة والحقوق والمسئوليات. كما توجد أيضاً طريقة أو أخرى لحفظ النظام وفض المنازعات ـ كنظام الشرطة، والمحاكم، والسجون، على سبيل المثال.
تمتلك كل ثقافة بعض الوسائل التي تحمي بها نفسها ضد المهاجمين. كما توجد بها العلاقات العائلية التي تشتمل على أشكال الزواج وأنساق القرابة. وكذلك تمتلك الثقافة معتقدات دينية ومجموعة من الممارسات التي تعبر بها عن هذه المعتقدات. وتملك كل المجتمعات أشكالاً للتعبير الفني، كالنحت، والنقش، والرسم، والموسيقى. أضف إلى ذلك أن لكل ثقافة نمطاً أو نوعًا آخر من المعرفة العلمية. وقد تكون هذه المعرفة تراثاً شعبياً عن النباتات التي يأكلها الناس، والحيوانات التي يصطادونها، أو قد تكون علماً بالغ التطور.
يتبع
مصطلح يستخدمه علماء الاجتماع للإشارة إلى طريقة الحياة الكُلية لشعب من الشعوب. وقد تُشير كلمة الثقافة في المحادثات اليومية إلى ضروب النشاط في مختلف الميادين مثل الفن والأدب والموسيقى. ولكن بالنسبة إلى علماء الاجتماع، فإن ثقافة شعب من الشعوب تشتمل على كل ما صنعه وابتدعه من الأفكار والأشياء وطرائق العمل فيما يصنعه ويوجده.
فالثقافة تشتمل على الفنون والمعتقدات والأعراف والاختراعات واللغة والتقنية والتقاليد. ويُماثل مصطلح الثقافة الحضارة، غير أن المصطلح الأخير يُشير في الأغلب إلى طرائق الحياة العملية الأكثر تقدماً. أما الثقافة فهي أي أسلوب للحياة، بسيطاً كان أم معقداً.
وتتكون الثقافة من الطرق التي يتعلمها ويكتسبها الإنسان للعمل، والشعور، والتفكير، أكثر من كونها وراثية أي محددة بالمقومات البيولوجية. وهناك بعض الحيوانات البسيطة التي تتصرف على أساس المعلومات التي تحملها في مورِّثاتها، أي أجزاء الخلية التي تشكل الصفات الوراثية. وهذه المعلومات البيولوجية المورثة قد تشتمل حتى على الطرق التي يحصل بها الحيوان على الطعام والمأوى. ولكن الإنسان هو الذي بمقدوره أن يجرب وأن يتعلم وأن ينشئ أساليبه لصنع هذه الأشياء. وهذه عملية مستمرة لا تتوقف أبداً.
والقول بأن الثقافة مكتسبة لا يعني بالطبع عدم الارتباط بينها وبين العناصر البيولوجية للإنسان. إنها بالعكس، يمكن النظر إليها كمجموعة من التمديدات والإضافات البسيطة لأجزاء الجسم المختلفة. وقد قارنها عالم النفس النمساوي سيجموند فرويد بتلك الأجهزة والأدوات مثل الأطراف الصناعية، ونظارات العيون، والأسنان الصناعية. وذلك على اعتبار أن الثقافة، مثل هذه الأشياء، تُمكن الناس من فعل الأشياء التي قد لا تساعدهم عضلاتهم وحواسهم وحدها على القيام بها وفعلها. مثال ذلك، أن الإنسان لا يحتاج إلى المخالب ما دامت لديه السهام. كما أنه لا يحتاج إلى الجري بسرعة، ما دام قد روَّض الحصان أو استعمل السيارة. وبدون الثقافة لم يكن بمقدور رواد الفضاء، أن يصلوا إلى القمر، ولا أن يعيشوا هناك. ذلك أن الجسم الإنساني في حاجة إلى الأكسجين، وإلى درجة معينة من الحرارة كي يحافظ على حياته. وعلى أية حال، فقد مكنت هذه الوسائل والأدوات الثقافية الإنسان من التغلب على بعض أوجه القصور، فظل على قيد الحياة في البيئات الخشنة القاسية.
كانت الثقافة المبكرة وسيلة لتحسين المهارة للحصول على الطعام، والبحث عن المأوى، والعناية بالنسل. وحَظي أسلاف الإنسان بالأفضلية في الصراع من أجل البقاء، لأنهم نجحوا في تطوير الأدوات والآلات وجوانب الثقافة الأخرى. فأصبحوا ـ من ثم ـ أكثر ملاءمة للاستمرار والتكاثر من تلك المخلوقات التي تفتقر إلى هذه الميزات. ونتيجة لهذا نمت القدرة على ابتكار الثقافة من جيل إلى جيل.
خصائص الثقافة
عرّف عالم الأنثروبولوجيا (علم الإنسان) البريطاني السير إدوارد بيرنت تايلور مصطلح الثقافة كما يستخدمه العلماء في الوقت الحاضر. فقد عَرَّفَ تايلور الثقافة في كتابه الثقافة البِدائية بأنها ذلك الكُل المعقد الذي يشتمل على المعرفة، والعقيدة، والفن، والأخلاق، والقانون، والتقاليد، وما إلى ذلك من القدرات والعادات التي يكتسبها الإنسان من حيث هو عضو في المجتمع. ويشتمل هذا التعريف الذي ساقه تايلور على ثلاث خصائص من أكثر خصائص الثقافة أهمية وهي:
1- أن الثقافة اكتساب إنساني يتم من خلال عملية تسمى التنشئة الثقافية.
2- أن الشخص يكتسب الثقافة باعتباره عضواً في المجتمع. فالحياة الاجتماعية تُصبح مستحيلة دون وجود التفاهم والممارسات المتبادلة التي يشارك فيها الناس جميعاً.
3- أن الثقافة كلٌّ معقد تتمثل وحداته فيما يُسمى السمات الثقافية. وهي قد تشتمل على أماكن دفن الموتى المتعارف عليها، أو بعض الأدوات والآلات، كالمحراث مثلاً، أو إيماءة، كالمصافحة بالأيدي. وتسمى المجموعة المتقاربة من السمات الثقافية النمط الثقافي. مثال ذلك التقاليد المرتبطة بالزواج والمراحل السابقة له والتودد، وتشكل هذه المجموعة نمطاً ثقافياً محدداً.
ولمعظم الجماعات الكبيرة سماتها الثقافية الخاصة التي تلائم ظروفها وحاجاتها وتُؤَمِّن بقاءها واستمرارها. ومثل هذه المجموعة من السمات الثقافية يمكن تسميتها ثقافة. وتمتلك الأمم ومعظم القبائل، وحتى بعض القرى، الثقافة بهذا المعنى.
وعلى كل حال، فإن لكل عائلة تقليدها الثقافي الخاص بها. وهو تقليد يشتمل على كثير من السمات التي تشترك فيها العائلة مع الآخرين ممن يعيشون في نفس المنطقة، وينتمون إلى الطبقة الاجتماعية ذاتها. علاوة على ذلك، تمتلك العائلة السمات الثقافية الخاصة بها. وهو الحال نفسه بالنسبة إلى شركات الأعمال، والقرى وما إلى ذلك من الجماعات الاجتماعية. فلكلٍّ منها تقاليدها الثقافية الخاصة بها. ويستخدم علماء الاجتماع أحياناً مصطلح الثقافة الفرعية للإشارة إلى مجموعة السمات الثقافية التي توجد في جماعة واحدة فحسب، الأمر الذي يعني أن للكثير من الجماعات المهنية، مثل جماعة الأطباء، وجماعة سائقي الشاحنات والجماعات العرقية ثقافتها الفرعية الخاصة بها، بالإضافة إلى مشاركتها أيضاً في ثقافة جماعة الأغلبية.
ومن الصعوبة أن توجد الثقافة في مكانين في آن واحد. فأولاً، لابد أن توجد في البيئة، حيث تظهر على شكل مصنوعات فنية (أي الأشياء التي صنعها الإنسان)، أو على شكل سلوك. وقد تدوم بعض مظاهر الثقافة التي توجد في البيئة طويلاً، وذلك مثل الإيماءة أو طريقة قص القصص أو القصة المكتوبة أو الفأس الحجرية. ثانياً، أن الثقافة تكون في داخل العقول والأذهان كمجموعة من الأفكار حتى يتيسَّر فهم وتقويم الأشياء وسلوك الأفراد. أما الشيء المصنوع الذي لا يفهمه أحد فيُعتبر ثقافة ناقصة وغير كاملة. كما لا تُعتبر الفكرة التي لا يدركها الآخرون ثقافة. فالأشياء التي توجد في البيئة تصل إلى داخل عقول الناس من خلال التعلم والتنشئة الثقافية. على حين تنتقل الأشياء من داخل عقول الناس إلى العالم الخارجي بوساطة السلوك والمناقشة والاختراع.
التعددية الثقافية
تختلف المجتمعات عن بعضها البعض في مدى انفتاحها على غيرها ومدى انغلاقها عن ذلك الغير. ففي هضبة التيبت وبعض الجزر الباسفيكية وإفريقيا، مثلاً، توجد مجتمعات منغلقة على نفسها، وتكون النتيجة الطبيعية لهذا هي بقاء تلك المجتمعات بثقافة واحدة لكل منها. وعلى العكس من ذلك فإنّ المجتمعات الأمريكية والأوروبية التي تنفتح على غيرها، تعتبر بالتالي متعددة الثقافة.
يجد الكثير من الأفراد صعوبة في تقبل الثقافات الأخرى، ويميلون بالتالي للبحث عمن يشبهونهم من الأفراد في العادات والأفكار، أي ضمن ثقافة متجانسة. ويسمى الضيق الذي يشعر به هؤلاء حين يمتزجون مع من لايشبهونهم وما ينتج عن ذلك من رفض للاختلاف صدمة ثقافية. وقد تزول هذه الصدمة إذا ما عايش الفرد الثقافة المغايرة فترة تكفي لفهم تلك الثقافة.
التعايش المشار إليه يحدث على مستوى الأفراد أو الجماعات الصغيرة نسبيًا التي تنتقل للعيش ضمن مجتمعات أكبر ذات ثقافة مختلفة ومهيمنة. ويؤدي ذلك التعايش أحيانًا لفقدان أولئك الأفراد أو الجماعات سماتهم الثقافية المميزة واندماجهم في الثقافة المهيمنة في عملية يطلق عليها الامتصاص الثقافي. وما حدث للكثير من الهنود الحمر نتيجة الهجرة الأوروبية إلى أمريكا الشمالية مثال لذلك الامتصاص، كما أن ما حدث للكثير من الجماعات العرقية التي دخلت الإسلام طوال التاريخ الإسلامي مثال آخر. وكذلك هو الحال مع بعض المسلمين الذين بقوا في الأندلس بعد انتهاء الحكم العربي الإسلامي هناك. فقد ذابت تلك المجتمعات في الثقافة الجديدة سواء كان ذلك طوعًا أو كرهًا.
غير أن التعايش الثقافي قد لايؤدي إلى الامتصاص وإنما يبقى تعايشًا يحفظ فيه الكثير من السمات الثقافية للجماعات الصغيرة والكبيرة على حد سواء. يطلق على ذلك الوضع تعددية ثقافية، وتعتبر الولايات المتحدة الأمريكية مثالاً واضحًا لتلك التعددية، فعلى المستوى اللغوي لم يؤد انتشار الإنجليزية إلى القضاء على اللغات العرقية للأقليات، كالأسبانية والصينية والعربية. كما أن الأقليات ظلت تحتفظ بالكثير من خصائصها الثقافية كالعقيدة الدينية وأنواع الطعام والاحتفالات الوطنية. فأماكن التعبد كالمساجد والكنائس والمعابد الوثنية تتجاور كما يتجاور طعام الهامبورجر الأمريكي مع المأكولات الصينية والمكسيكية والهندية والعربية. وما يحدث في الولايات المتحدة يحدث في أماكن أخرى كثيرة كبريطانيا وألمانيا وفرنسا والوطن العربي والهند، مع اختلاف واضح بين هذه الأماكن في درجة التعدد والتسامح مع الاختلاف.
غير أن التعددية الثقافية لاتعني تساويًا بين الثقافات المتعايشة ضمن تلك التعددية. وفي الولايات المتحدة الأمريكية حيث جرت وتجري واحدة من أبرز التجارب التاريخية في التعددية لم يؤد ذلك إلى تساوي الثقافات المتعايشة في التأثير، فالحضارة الغربية الأنجلوسكسونية التي جلبها المستوطنون الأمريكيون الأوائل معهم في القرن السادس عشر الميلادي، سواء تمثلت في الإنجليزية كلغة أو في النصرانية كدين أو في الديمقراطية العلمانية كنموذج سياسي وثقافي، ماتزال هي المهيمنة. وتنسحب تلك التجربة الأمريكية على ما يحدث حاليًا على مستوى العالم، حيث تنتشر المؤثرات الثقافية الغربية، الأمريكية بالدرجة الأولى في مختلف الأماكن في عملية تعرف بـ: العولمة (http://vb.arabsgate.com/showthread.php?t=471078).
كيف تتماثل الثقافات
لكل الثقافات ملامح تنتج من الحاجات الأساسية التي يشارك فيها الناس جميعاً. فلكل ثقافة طرقها للحصول على الطعام والمأوى، ولها وسائلها المنظمة لتوزيع الطعام والسلع الأخرى. كذلك فإن لكل ثقافة نظامها لتقسيم القوة والسلطة والحقوق والمسئوليات. كما توجد أيضاً طريقة أو أخرى لحفظ النظام وفض المنازعات ـ كنظام الشرطة، والمحاكم، والسجون، على سبيل المثال.
تمتلك كل ثقافة بعض الوسائل التي تحمي بها نفسها ضد المهاجمين. كما توجد بها العلاقات العائلية التي تشتمل على أشكال الزواج وأنساق القرابة. وكذلك تمتلك الثقافة معتقدات دينية ومجموعة من الممارسات التي تعبر بها عن هذه المعتقدات. وتملك كل المجتمعات أشكالاً للتعبير الفني، كالنحت، والنقش، والرسم، والموسيقى. أضف إلى ذلك أن لكل ثقافة نمطاً أو نوعًا آخر من المعرفة العلمية. وقد تكون هذه المعرفة تراثاً شعبياً عن النباتات التي يأكلها الناس، والحيوانات التي يصطادونها، أو قد تكون علماً بالغ التطور.
يتبع